محمد عبد العزيز الخولي
224
الأدب النبوي
أو يخشون قوارع « 1 » تحل بهم أو نوائب تصيبهم فتطير قلوبهم هلعا ونفوسهم جزعا ، وخليق بهم أن يعدوا لكل أمر عدته ، ولكل شدة وقايتها وأن يكون تفكيرهم في الوسائل المنجية من البلاء أو المبعدة عنه أو المخففة من وقعه . فمن أجل أن الهم مضيعة للوقت في غير جدوى ، وأنه داع إلى التقصير في الواجب وأنه تقاعد عن التدبير النافع لنيل الخير المرجو ، أو تجنب الشر المحذور ، من أجل ذلك تعوذ الرسول صلى اللّه عليه وسلم منه كما تعوذ من الحزن الذي يكون على أمر محبوب فات نيله . أو ضر نزل لا يقلع ، فهذا أيضا مذموم . وقد نهانا اللّه عنه بقوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا « 2 » ، وبقوله حكاية عن رسوله صلى اللّه عليه وسلم لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا « 3 » . ولو كان الحزن يرد فائتا ، أو يدفع واقعا لكنا فيه معذورين ، ولكنه مضيعة للوقت وسخط على القضاء ، وتعلق بما لا سبيل له وتكاسل عن اتخاذ الأسباب لدفع المصيبة أو تخفيف ألمها ، فمن أجل ذلك أيضا تعوذ الرسول صلى اللّه عليه وسلم منه . وعلى المؤمن أن يدرع بالصبر ويأخذ لنفسه من حوادثه وحوادث غيره عظات لما يستقبل من أيامه حتى لا يقع فيما وقع فيه من قبل « لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين » ، واللّه سبحانه يختبر بالمصائب عباده ، ليميز الخبيث من الطيب ويستبين من كان قوي العزيمة كثير الجلد والتصبر من الخائر « 4 » الهلوع قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ « 5 » . وقال عز شأنه : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ « 6 » . الثالث والرابع : مما تعوذ منه الرسول صلى اللّه عليه وسلم العجز والكسل والأول : عدم القدرة على الشيء ، والثاني : التقاعد عنه مع استطاعته ، وإذا علمت أن بالعمل مكانة الإنسان في هذه الحياة وعلوه ورفعته ، وأن به السعادة في الآخرة والفوز بالنعيم المقيم ، وأن
--> ( 1 ) قوارع : جمع القارعة : وهي المصيبة . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 139 . ( 3 ) سورة التوبة ، الآية : 40 . ( 4 ) الخائر : الضعيف المنكسر . ( 5 ) البقرة ، الآية : 155 . ( 6 ) سورة العنكبوت ، الآيتان : 2 ، 3 .